ابن حمدون

136

التذكرة الحمدونية

وأهله وشعراء الجاهلية والاسلام ، إلى أن صرنا إلى المحدثين ، ثم ذكرنا دعبل بن عليّ الشاعر الخزاعيّ فقال لي عبد اللَّه : ويحك يا صيني إني أريد أن أوعز إليك بشيء تستره عليّ حياتي ، فقلت : أصلح اللَّه الأمير ، وأنا عندك في موضع تهمة ؟ قال : لا ولكن أطيب لنفسي أن توثّق بأيمان أركن إليها ويسكن قلبي عندها ، فأخبرك ، فقلت : أصلح اللَّه الأمير ، إذا كنت عنده في هذه الحال فلا حاجة له إلى إفشاء سره إلي ، فاستعفيته مرارا فلم يعفني ، فاستحييت من مراجعته وقلت : لير الأمير رأيه . قال : يا صيني قل : واللَّه ، فأمرّها عليّ غموسا ووكَّدها بالبيعة والطلاق ، ثم قال لي : ويحك أشعرت أني أظنّ أنّ دعبلا مدخول النّسب ، وأمسك ، فقلت : أعزّ اللَّه الأمير ، أفي هذا أخذت عليّ الأيمان والعهود والمواثيق ؟ قال : اي واللَّه لأني رجل لي في نفسي حاجة ، ودعبل رجل قد حمل جذعه على عنقه ، فهو لا يصيب من يصلبه عليه ، وأتخوّف إن بلغه أن يبقي عليّ من الخزي ما يبقى على الدهر ، وقصاراي أني إن ظفرت به وأمكنني ذلك منه وأسلمته اليمن ، وما أراها تسلمه ، لأنه اليوم لسانها وشاعرها والذابّ عن أعراضها والمحامي عنها والمرامي دونها ، أن أضربه مائة سوط ، وأثقله حديدا ، وأصيره في مطبق باب الشام ، وليس في ذلك عوض مما سار فيّ من الهجاء وفي عقبي من بعدي ؛ قال ، قلت : أتراه كان يفعل ويقدم عليك ؟ قال : يا عاجز أهون عليه مما لم يكن . أتراه أقدم على سيدي هارون ومولاي المأمون وعلى أبي رحمه اللَّه ولم يكن يقدم عليّ ؟ ! قال ، قلت : إذا كان الأمر على ما وصفه الأمير فقد وفّق فيما أخذ عليّ . قال : وكان دعبل لي صديقا . فقلت : هذا قد عرفته ، ولكن من أين قال الأمير إنه مدخول النسب ؟ فو اللَّه لعلمته في البيت الرفيع من خزاعة ، وما أعلم فيها بيتا أكرم من بيته إلا بيت أهبان مكلَّم الذئب ، وهم بنو عمه دنية ، فقال : كان دعبل غلاما خاملا أيام ترعرع لا يؤبه له ، وكان بينه وبين مسلم بن الوليد الأنصاريّ إزار لا يملكان غيره شيئا ، فإذا أراد دعبل الخروج جلس مسلم في